فصل: من أقوال المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89)}.
القصة التاسعة قصة زكريا عليه السلام:
اعلم أنه تعالى بين انقطاع زكريا عليه السلام إلى ربه تعالى لما مسه الضر بتفرده، وأحب من يؤنسه ويقويه على أمر دينه ودنياه ويكون قائمًا مقامه بعد موته، فدعا الله تعالى دعاء مخلص عارف بأنه قادر على ذلك، وإن انتهت الحال به وبزوجته من كبر وغيره إلى اليأس من ذلك بحكم العادة.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان سنه مائة وسن زوجته تسعًا وتسعين.
أما قوله: {وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين} ففيه وجهان: أحدهما: أنه عليه السلام إنما ذكره في جملة دعائه على وجه الثناء على ربه ليكشف عن علمه بأن مآل الأمور إلى الله تعالى.
والثاني: كأنه عليه السلام قال: «إن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي فإنك خير وارث».
وأما قوله تعالى: {فاستجبنا لَهُ} أي فعلنا ما أراده لأجل سؤاله، وفي ذلك إعظام له، فلذلك تقول العلماء بأن الاستجابة ثواب لما فيه من الإعظام.
وأما قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى} فهو كالتفسير للاستجابة وفي تفسير قوله: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} ثلاثة أقوال: أحدها: أصلحها للولادة بأن أزال عنها المانع بالعادة، وهذا أليق بالقصة.
والثاني: أنه أصلحها في أخلاقها وقد كانت على طريقة من سوء الخلق وسلاطة اللسان تؤذيه وجعل ذلك من نعمه عليه.
والثالث: أنه سبحانه جعلها مصلحة في الدين، فإن صلاحها في الدين من أكبر أعوانه في كونه داعيًا إلى الله تعالى فكأنه عليه السلام سأل ربه المعونة على الدين والدنيا بالولد والأهل جميعًا.
وهذا كأنه أقرب إلى الظاهر لأنه إذا قيل: أصلح الله فلانًا فالأظهر فيه ما يتصل بالدين، واعلم أن قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} يدل على أن الواو لا تفيد الترتيب لأن إصلاح الزوج مقدم على هبة الولد مع أنه تعالى أخره في اللفظ وبين تعالى مصداق ما ذكرناه فقال: {إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ في الخيرات} وأراد بذلك زكريا وولده وأهله فبين أنه آتاهم ما طلبوه وعضد بعضهم ببعض من حيث كانت طريقتهم أنهم يسارعون في الخيرات، والمسارعة في طاعة الله تعالى من أكبر ما يمدح المرء به لأنه يدل على حرص عظيم على الطاعة.
أما قوله تعالى: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} قرئ رغبًا ورهبًا وهو كقوله: {يَحْذَرُ الآخرة وَيَرْجُواْ رَّحْمَةِ رَبّهِ} والمعنى أنهم ضموا إلى فعل الطاعات والمسارعة فيها أمرين: أحدهما: الفزع إلى الله تعالى لمكان الرغبة في ثوابه والرهبة في عقابه.
والثاني: الخشوع وهو المخافة الثابتة في القلب، فيكون الخاشع هو الحذر الذي لا ينبسط في الأمور خوفًا من الإثم.
{وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابنها آيَةً لِلْعَالَمِينَ (91)}.
القصة العاشرة: قصة مريم عليها السلام:
اعلم أن التقدير واذكر التي أحصنت فرجها، ثم فيه قولان: أحدهما: أنها أحصنت فرجها إحصانًا كليًا من الحلال والحرام جميعًا كما قالت: {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} [مريم: 20].
والثاني: من نفخة جبريل عليه السلام حيث منعته من جيب درعها قبل أن تعرفه والأول أولى لأنه الظاهر من اللفظ.
وأما قوله: {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا} فلقائل أن يقول: نفخ الروح في الجسد عبارة عن إحيائه قال تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} [الحجر: 29] أي أحييته وإذا ثبت ذلك كان قوله: {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا} ظاهر الإشكال لأنه يدل على إحياء مريم عليها السلام.
والجواب من وجوه: أحدها: معناه فنفخنا الروح في عيسى فيها، أي أحييناه في جوفها كما يقول الزمار نفخت في بيت فلان أي في المزمار في بيته.
وثانيها: فعلنا النفخ في مريم عليها السلام من جهة روحنا وهو جبريل عليه السلام لأنه نفخ في جيب درعها فوصل النفخ إلى جوفها ثم بين تعالى بأخصر الكلام ما خص به مريم وعيسى عليهما السلام من الآيات فقال: {وجعلناها وابنها ءَايَةً للعالمين} أما مريم فآياتها كثيرة: أحدها: ظهور الحبل فيها لا من ذكر فصار ذلك آية ومعجزة خارجة عن العادة.
وثانيها: أن رزقها كان يأتيها به الملائكة من الجنة وهو قوله تعالى: {أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله}.
وثالثها ورابعها: قال الحسن إنها لم تلتقم ثديًا يوما قط وتكلمت هي أيضًا في صباها كما تكلم عيسى عليه السلام، وأما آيات عيسى عليه السلام فقد تقدم بيانها فبين سبحانه أنه جعلهما آية للناس يتدبرون فيما خصا به من الآيات ويستدلون به على قدرته وحكمته سبحانه وتعالى فإن قيل: هلا قيل آيتين كما قال: {وَجَعَلْنَا الليل والنهار ءَايَتَيْنِ} [الإسراء: 12] قلنا؛ لأن حالهما بمجموعهما آية واحدة، وهي ولادتها إياه من غير فحل.
وهنا آخر القصص. اهـ.

.قال الماوردي:

{رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْدًا} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: خليًا من عصمتك، قاله ابن عطاء.
الثاني: عادلًا عن طاعتك.
الثالث: وهو قول الجمهور يعني وحيدًا بغير ولد.
{وَأَنتَ خَيْرُ الَْوَارِثينَ} أي خير من يرث العباد من الأهل والأولاد، ليجعل رغبته إلى الله في الولد والأهل لا بالمال، ولَكِن ليكون صالحًا، وفي النبوة تاليًا.
قوله تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهْبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} فيه وجهان:
أحدهما: أنها كانت عاقرًا فَجُعَِلَتْ ولودًا. قال الكلبي: وَلَدَتْ له وهو ابن بضع وسبعين سنة.
والثاني: أنها كانت في لسانها طول فرزقها حُسْنَ الخَلْقِ، وهذا قول عطاء، وابن كامل.
{يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} أي يبادرون في الأعمال الصالحة، يعني زكريا، وامرأته، ويحيى.
{وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} فيه أربعة أوجه:
أحدها: رغبًا في ثوابنا ورهبًا من عذابنا.
الثاني: رغبًا في الطاعات ورهبًا من المعاصي.
والثالث: رغبًا ببطون الأكف ورهبًا بظهور الأكف.
والرابع: يعني طمعًا وخوفًا.
ويحتمل وجهًا خامسًا: رغبًا فيما يسعون من خير، ورهبًا مما يستدفعون من شر.
{وَكَانُواْ لَنَا خَاشِعِينَ} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يعني متواضعين، وهذا قول ابن عباس.
والثاني: راغبين راهبين، وهو قول الضحاك.
والثالث: أنه وضع اليمنى على اليسرى، والنظر إلى موضع السجود في الصلاة.
قوله عز وجل: {الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} فيه وجهان:
أحدها: عفّت فامتنعت عن الفاحشة.
والثاني: أن المراد بالفَرْج فَرْجُ درعها منعت منه جبريل قبل أن تعلم أنه رسول.
{فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا} أي أجرينا فيها روح المسيح كما يجري الهواء بالنفخ، فأضاف الروح إليه تشريفًا له، وقيل بل أمر جبريل فحلّ جيب ردعها بأصابعه ثم نفخ فيه فحملت من وقتها.
{وَجَعَلْنَاهَا وَابنها ءَايَةً لِّلْعَالَمِينَ} لأنها حملت من غير مسيس، ووُلد عيسى من غير ذَكَرٍ، مع كلامه في المهد، ثم شهادته ببراءتها من الفاحشة، فكانت هذه هي الآية، قال الضحاك: ولدته في يوم عاشوراء. اهـ.

.قال ابن عطية:

{وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89)}.
تقدم أمر زكرياء عليه السلام في سورة مريم، وإصلاح الزوجة قيل بأن جعلها ممن تحمل وهي عاقر قاعد فحاضت وحملت وهذا هو الذي يشبه الآية وقيل بأن أزيل بذاء كان في لسانها ع وهذا ضعيف وعموم اللفظ يتناول جميع وجوه الإصلاح، وقرأت فرقة {يدعوننا} وقرأت فرقة {يدعونا}، وقرأت فرقة {رَغَبًا} بفتح الراء والغين {ورَهَبًا} كذلك، وقرأت فرقة بضم الراء فيهما وسكون الغين والهاء، وقرأت فرقة بفتح الراء وسكون الغين والهاء، والمعنى أنهم يدعون في وقت تعبدهم وهم بحال رغبة ورجاء، ورهبة وخوف من حال واحدة لأَن الرغبة والرهبة متلازمان، وقال بعض الناس الرغب أَن ترفع بطون الأكف نحو السماء والرهب أَن ترفع ظهورها ع وتلخيص هذا أَن عادة كل داع من البشر أن يستعين بيديه، فالرغب من حيث هو طلب يحسن معه أن يوجه باطن الراح نحو المطلوب منه إذ هي موضع الإعطاء وبها يتملك، والرهب من حيث هو دفع مضرة يحسن معه طرح ذلك والإشارة إلى إذهابه وتوقيه بنفض اليد ونحوه والخشوع التذلل بالبدن المتركب على التذلل بالقلب.
{وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا}.
المعنى واذكر {التي أحصنت} وهي مريم بنت عمران أم عيسى، والفرج فيما قال الجمهور وهو ظاهر القرآن الجارحة المعروفة وفي إحصانها هو المدح، وقالت فرقة الفرج هنا هو فرج ثوبها الذي منه نفخ الملك وهو ضعيف، وأما نفخ الولد فيها فقال كثير من العلماء إنما نفخ في جيب درعها وأخاف الروح إضافة الملك إلى المالك، {وابنها} هو عيسى ابن مريم عليه السلام، وأراد تعالى أَنه جعل مجموع قصة عيسى وقصة مريم من أولها إلى آخرها {آية} لمن اعتبر ذلك، و{للعالمين} يريد لمن عاصره فيما بعد ذلك. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {لا تذرني فردًا} أي: وحيدًا بلا ولد {وأنت خير الوارثين} أي: أفضل من بقي حيًا بعد ميت.
قوله تعالى: {وأصلحنا له زوجه} فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أُصلحت للولد بعد أن كانت عقيمًا، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة.
والثاني: أنه كان في لسانها طول، وهو البذاء، فأُصلحت، قاله عطاء.
وقال السدي: كانت سليطة فكفَّ عنه لسانها.
والثالث: أنه كان خُلُقها سيّئًا، قاله محمد ابن كعب.
قوله تعالى: {إِنهم كانوا يسارعون في الخيرات} أي: يبادرون في طاعة الله.
وفي المشار إِليهم قولان:
أحدهما: زكريا، وامرأته، ويحيى.
والثاني: جميع الأنبياء المذكورون في هذه السورة.
قوله تعالى: {ويدعوننا} وقرأ ابن مسعود، وابن محيصن: {ويدعونا} بنون واحدة.
قوله تعالى: {رَغَبًا ورَهَبًا} أي: رغبًا فيما عندنا، ورهبًا منا.
وقرأ الأعمش: {رُغْبًا ورُهْبًا} بضم الراءين وجزم الغين والهاء، وهما لغتان مثل النُّحْل، والنَحَل، والسُّقْم، والسَّقَم، {وكانوا لنا خاشعين} أي: متواضعين.
قوله تعالى: {والتي أحصنت فرجها} فيه قولان:
أحدهما: أنه مخرج الولد، والمعنى: منعته مما لا يحل.
وإِنما وُصِفَتْ بالعفاف لأنها قُذفت بالزنا.
والثاني: أنه جيب درعها.
ومعنى الفرج في اللغة: كل فرجة بين شيئين، وموضع جيب درع المرأة مشقوق، فهو يسمى فرجًا.
وهذا أبلغ في الثناء عليها، لأنها إِذا منعت جيب درعها، فهي لنفسها أمنع.
قوله تعالى: {فنفخنا فيها} أي: أمرنا جبريل، فنفخ في درعها، فأجرينا فيها روح عيسى كما تجري الريح بالنفخ.
وأضاف الروح إِليه إضافة الملك، للتشريف والتخصيص {وجعلناها وابنها آية} قال الزجاج: لما كان شأنهما واحدًا، كانت الآية فيهما آية واحدة، وهي ولادة من غير فحل.
وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة: {آيتين} على التثنية. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ} أي واذكر زكريا.
وقد تقدم في آل عمران ذكره.
{رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْدًا} أي منفردًا لا ولد لي وقد تقدم.
{وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين} أي خير من يبقى بعد كل من يموت؛ وإنما قال: {وأنت خير الْوَارِثيِنَ} لما تقدم من قوله: {يَرِثُني} أي أعلم أنك لا تضيع دينك، ولَكِن لا تقطع هذه الفضيلة التي هي القيام بأمر الدين عن عقبِي.
كما تقدم في مريم بيانه.
قوله تعالى: {فاستجبنا لَهُ} أي أجبنا دعاءه: {وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى}.
تقدم ذكره مستوفى: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} قال قتادة وسعيد بن جبير وأكثر المفسرين: إنها كانت عاقرًا فجعلت ولودًا.
وقال ابن عباس وعطاء: كانت سيئة الخلق، طويلة اللسان، فأصلحها الله فجعلها حسنة الخلق.
قلت: ويحتمل أن تكون جمعت المعنيين فجعلت حسنة الخلق ولودًا.
{إِنَّهُمْ} يعني الأنبياء المسمين في هذه السورة {كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الخيرات}.
وقيل: الَكِناية راجعة إلى زكريا وامرأته ويحيى.
قوله تعالى: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} أي يفزعون إلينا فيدعوننا في حال الرخاء وحال الشدة.
وقيل: المعنى يدعون وقت تعبدهم وهم بحال رغبة ورجاء ورهبة وخوف، لأن الرغبة والرهبة متلازمان.
وقيل: الرغَب رفع بطون الأكف إلى السماء، والرهَب رفع ظهورها؛ قاله خصيف؛ وقال ابن عطية: وتلخيص هذا أن عادة كل داع من البشر أن يستعين بيديه فالرغب من حيث هو طلب يحسن منه أن يوجه باطن الراح نحو المطلوب منه، إذ هو موضع إعطاء أو بها يتملك، والرهب من حيث هو دفع مضرة يحسن معه طرح ذلك، والإشارة إلى ذهابه وتوقيه بنفض اليد ونحوه.